قصتها

نزهة بن محمد قصة صمود من اجل اعلام تونسي حر

محظوظون هم من لديهم فكرة نبيلة، يؤمنون بها ومسخرين كل طاقاتهم حتى تصبح تلك الفكرة واقعاً، ذلك هو العنوان الذي حملته حكاية نزهة بنت محمد؛ الاعلامية التونسية التي آمنت بفكرتها وتمسكت بها رغم الظروف والصعاب لايجاد اعلام حر ينقل الصورة كما هي. ولتصبح نزهة اليوم وبعد قصة كفاح طويلة في العمل الاعلامي؛ مديرة لواحدة من اهم الاذاعات التونسية وهو "راديو 6".

تخرجت نزهة من معهد الصحافة وعلوم الاخبار في تونس، تصف نفسها في حينه حديثة العهد بالصحافة، ولكنها الفتاة المتحمسة لخوض تجربة غمار العمل الصحفي، والمؤمنة بأهمية نشر"مبادئ حرية الرأي والتعبير" وتطبيق قواعد الممارسة الصحفية الصحيحة التي درست عنها في المعهد.

عملت نزهة بعد تخرجها في التلفزيون الرسمي وتحديداً في القناة الشبابية، التي تبث اليوم باسم (الوطنية الثانية)، وخلال عملها هناك قدمت نزهة مقترح لبرنامج يدعى "دائرة الحوار"، برنامج أعدته ليناقش مواضيع الشباب والنساء والحراك المدني. وخلال احدى الحلقات التي كانت تعمل عليها، واجهت رقابة صارمة منعتها من ابداء رأيها أوايصال الصوت الحر؛ في تلك اللحظة أدركت نزهة ان طريقها طويل من أجل الوصول الى اعلام حر في تونس، منفصل عن الحكومة وسيطرتها وقادر على تقديم تغطية منصفة بحق مؤسسات المجتمع المدني.

بعد مغادرتها التلفزيون الرسمي انضمت نزهة عام 2005 الى قناة كانت حديثة العهد آنذاك تدعى قناة "الحوار التونسي"، وكانت تبث لساعتين فقط عبر تردد مستعار من قناة ايطالية يوم الاربعاء من كل اسبوع"؛ الحوار التونسي بالنسبة لنزهة كانت الفرصة التي اغتنمتها لتقديم اعلام محايد وغير مسيس، فكما تقول: "اعادة احياء قناة الحوار التونسي عبر بث ساعتين فقط وعبر ترددات قناة ايطالية كان بمثابة تجربة ومحاولة لإعلاء الصوت الآخر الذي احتاجه المجتمع التونسي.

 ابتدأ نزهه باستضافة شخصيات ووجوه من خارج الاطار الرسمي الحكومي التونسي،  اسماء لم تكن موجودة في المشهد الاعلامي التقليدي، أسماء تونسية مفكرة ومبدعة كنا نقرأ عنهم في المجلات الاجنبية فقط".

بين عامي 2007 الى 2008 تواجدت نزهة في الساحة الاعلامية بصورة الحقوقية المدافعة عن الحقوق العامة والمدنية من خلال الاعلام، كتبت ايضا العديد من التحقيقات المتعلقة بحقوق الانسان في تونس لصالح منظمة العفو الدولية  (أمنستي). خلال عملها ذلك بدأت فكرة تأسيس اذاعة تكون منبرا للصوت الاعلامي الحر.

"خلال عملي مع أمنستي  تعرفت على اشخاص يحملون فكرة ايجاد اذاعة حرة ولم يتمكنو من الحصول على تراخيص، فقمت أنا ومن خلال عملي الاعلامي السابق بتقديم طلب ترخيص باسمي، وكانت تلك البداية التي انطلقنا منها وتحديدا في يوم  10 ديسمبر 2009 انطلقنا في اول بث اذاعي عبر الانترنت، وأسميناها راديو 6 (وتلفظ سيس بالفرنسية)، اذ كنا  مجموعة من  تسعة أشخاص وانا من ضمنهم، نمثل ستة راديوهات تونسية محلية، ولتكون الاذاعة صوت المجتمع التونسي.

كان كل راديو يختص بموضوع معين كالبيئة، او الاقتصاد او الصحة او المجتمع ولكننا كنا نسلط  الضوء على مشاكل التونسيين الاجتماعية. كانت كل اذاعة تبث ساعتين فقط في الاسبوع ثم بدئنا بوضع خطة عمل لبث الاذاعة بتعاون مشترك؛ وكان تلك التجربة التي قادتنا الى تأسيس أول نقابة للإذاعات الحرة (المستقلة)".

عمل نزهة التطوعي في الاذاعة مع زملائها الصحفيين كان يدفعه هاجس تأسيس اعلام بديل خارج اطار المقابلات الرسمية والانجازات الحكومية والاعلام الرسمي" "بقينا نبث بطريقة سرية لمدة سنتين، لم ننقطع حينها عن البث عبر الانترنت، كنا نسجل الندوات ونرفعها على الانترنت، استغلينا التكنولوجيا الحديثة بكل أدواتها لنستمر في البث، وعندما كان يتم التشويش على بثنا كنا نخترق موقعنا حتى نستمر في بث المواد التي نسجلها من ندوات مجتمعية او اخبار الحراك الشبابي في تونس،

في حينها عملت نزهة في السينما والمسرح وكان ذلك مصدر رزقها الأساسي، لكن احتفظت بفكرة العمل الاعلامي لعشقها للعمل الصحفي، وكان حلمها بتأسيس"راديو 6" هدف كانت تبذل جل طاقاتها من اجل ان يستمر سواءً من الناحية المادية أوالمعنوية: "القناعة وحب المغامرة والتحدي والايمان بانتاج عمل اعلامي جديد هي الاسس التي تمسكنا بها من اجل خلق اعلام افضل"  

نزهة كما تونس، كما العالم العربي كله، الذي شهد تغيرات جذرية خلال السنوات الاخيرة من ما سمي اعلامياً بالربيع العربي، في تلك الفترة حدثتنا نزهة عن تجربتها وسط وجود الملايين من التونسيين في الشوارع في ما اعتبر منعطفا حاد للمنطقة باكلمها: "عندما كانت الناس تتظاهر امام مبنى وزارة الداخلية تصرخ ارحل بن علي، كنت انا على اسطح البنايات العالية، أثبت مع زملائي واصدقائي في "راديو 6" اجهزة البث (الترانزميتر)، حتى نتمكن من الاستمرار في البث دون الحاجة الى الموجات التي تمنحنا اياها الحكومة، وكان هذا تحطيم لاحتكار طويل من قبل الدولة على وسائل الاعلام السمعية والبصرية ولنستطيع ان ننقل اخبار الثورة  التونسية اول باول للشعب التونسي حتى ولو كنا لا نملك رخصة للبث في حينها".

في مراحل لاحقة ساهم "راديو 6" في وضع ابرز قواعد وشروط الحصول على ترخيص عمل الراديوهات المستقلة المنبثقة من مؤسسات المجتمع المدني، وبكلمات نزهة: "راديو 6" كان من الواضعين الأساسيين للمدونة التي اعتمدت قانونيا في عملية منح الرخص لاذاعات المجتمع المدني، وكانت مساهمة "راديو 6"  في صياغة الشروط بناء على تجربته الناجحة  باعتباره من أوائل الراديوهات التي انبثقت من مؤسسة مجتمع مدني، اليوم هناك عشرة راديوهات منبثقة من مؤسسات المجتمع المدني من ضمن القائمة الطويلة من الراديوهات ذوات التوجهات المالية أو السياسية".

عندما انطلق راديو6 كان بحسب قول نزهة "في مراتب لا تذكر، لكن اليوم وبجهود العاملين والمتطوعين الشباب الإيمان بفكرة الراديو وتقديم مواد اعلامية مميزة ومختلفة، وصلنا في نهاية 2014 الى المرتبة السادسة ضمن أكثر الاذاعات المستمع لها في تونس ونافسنا مع قائمة طويلة من الاذاعات الممولة والحكومية والتابعة للقطاع الخاص، في هذه اللحظة شعرت بان تعب السنين الماضية والتضحية والقهر الذي تعرضنا له يهون في سبيل هذه اللحظة وهذه التجربة البسيطة التي آراها بداية تجارب أكبر لتونس والعالم العربي"

كان ختام اللقاء مع نزهة بنصيحة قدمتها للمرأة العربية الاعلامية فقالت "المرأة  الاعلامية هي من عليها اختيار المواضيع  التي تود مناقشتها اعلامياً، "كما أشادت نزهة بأهمية العمل من خلال الاعلام للتوعية بالقوانين الخاصة بالمرأة، وأهم نصيحة يمكن ان تقدمها للمرأة العربية هي  الإيمان؛ "على المرأة العربية ان تؤمن بحقها، ان لم تمتلك ذلك الإيمان في حقها بقضية معينة فلن تصل اليها، وعليها ان تتبع قاعدة بسيطة (وقالتها بلهجتها التونسية) الانطلاق من نفسي (بمعنى ان تبدأ بنفسها لاحداث التغيير)".


قصتها