قصتها

مهندستان من غزة تصنعان طوب البناء من الرماد "طاقاتنا كبيرة وايماننا بأنفسنا أكبر"

خاص لشبكة نساء، ريم زبن - فلسطين

كطائر الفنيق الذي ينبثق حيا من رماده بعد موته، خرج نوع من حجارة البناء او كما يعرف في فلسطين بـ"الطوب" من قلب رماد كان يملأ المكان، وتعج به الأرجاء دون حاجة إليه في قطاع غزة، الذي لا تزال بقايا حرب الـ2014 تملأ أحيائه وشوارعه ببقايا ما كان في يوم ما بيوتاً، ومدارس، ودور عبادة. ولتصبح اليوم مجرد شظايا وأشلاء حجرية تعج بالمكان.

 ولأن الابداع يخرج من وحي الحاجة، ورحم المعاناة، قامت الشابتان المهندستان مجد المشهراوي وروان عبد اللطيف من غزة بإنتاج وصناعة حجر البناء الخفيف الذي تفتقر اليه غزة كليا في ظل الحصار الذي يطبق بأنيابه عليها من الاتجاهات كلها، فحوصروا بداية باستيراد هذا النوع من حجارة البناء أو حتى استيراد المواد المكونة له فباتت صناعته محلياً أمراً مستحيلا آخر. 

الفكرة

بدأت الفكرة عندما استشعرت المهندستان مشكلة ضعف وهشاشة طوب البناء المصنع في غزة فقررتا صنع بديل له، منخفض التكاليف، والأهم مرتفع الجودة. لتبدء عملية البحث عن البدائل،  وليجدو المادة الخام أمام أعينهم لصناعة الطوب من خلال إعادة تدوير الرماد بصورة ذكية، علما بأنه يتم رميه بكميات كبيرة في كل أنحاء العالم ولا يتم الاستفادة منه.

وهنا جاءت المبادرة وبدأت المهندستين رحلة الابتكار الذي سيحل تلك الأزمة لتبدء صناعة طوب اطلقن عليه اسم "Green Cake"، وهو ما خرجت به روان وصديقتها مجد خريجتا قسم الهندسة المدنية من الجامعة الاسلامية بغزة، ليشكل الرماد 50% من حجرهم واعادة تصنيعه كان سبب للتسمية “Green” كتسمية صديقة للبيئة، أما مقطع Cake فجاء لكونه يشبه الكعك من الداخل بفراغاته الصغيرة.

وعن استخدامهما للرماد فقالت مجد:"لم تكن خطتنا الاساسية استخدام الرماد، لكن بعد تجربتنا لعدة مواد سابقة من برادة الخشب والألمنيوم وغيرهما، استقرينا على استخدام الرماد". وكان اختيار الرماد نتيجة لعدة أتجارب سابقة، فتضيف المهندسة مجد :"الرماد مادة قلوية تماما كالاسمنت ومعا كلاهما سيوفران القوة المناسبة والوزن الخفيف المطلوب للحجر".

وتقوم الشابتان مجد وروان ابنتا الـ22 ربيعا بتحضير الحجارة أو الطوب  من مجموعة من المواد أهمها الرماد الذي يشكل ما نسبته 50% من الحجر، موفرتين بذلك سبيلا جديدا لأهل غزة حتى يقوموا بواسطته بإعادة اعمار ما خلفه الاحتلال من دمار في حربه الأخيرة على القطاع. بهذا لم تقم روان ومجد باختراع حجارة من نوع جديد صديق للبيئة فحسب، بل أثبتن أن الفتيات والنساء يمتلكن من الأفكار ما قد يمكنهن من إنجاز الكثير من الأمور التي ينجزها الذكور إن لم يكن أكثر. 

طموح وتحديات

كانت في كل مرة تميل إحداهما لليأس او التوقف عن الاستمرار في التجربة تجد الأخرى تساندها وتدفعها للأمام، لتكون بذلك مجد وروان الدعامتان اللتان استندتا على بعضهما ليصبح اليوم حجرهم مطلوباً في السوق المحلية.

واحدة من القصص التحدي كانت عند تواجدهن عند بداية العمل في مصنع للاواني الفخارية؛ وتقول مجد" في مصنع الاواني الفخارية الذي احضرنا منه المواد لاجراء تجاربنا، كان بحد ذاته تحدياً بالنسبة لنا والأمر كان مستهجنا، والمكان بإجماع الجميع لا يليق بالفتيات فقد كان يعج بالعمال والرجال، كما أن الطين كان يملء الأرجاء ولم يكن المكان نظيفا كفاية لتدخله النساء، ولم يفهم أحد سبب تواجدنا هناك او حتى حاجتنا للرماد حتى بعد التوضيح، وعندما كنا نقدم فكرتنا لمن حولنا ونتحدث عنها حاول أغلبية من نعرفهم من أهل وأصدقاء بمحاولات احباطنا لانه مشروع مستحيل في غزة فكيف اذا ما كان من يقوم به مهندستان شابتان. لكن كل ذلك دفعنا على الاكمال في طريقنا الذي انطلقنا به.

ورغم أن الشابتين قد أجرتا تجاربهما من خلال كميات رماد محدودة تجلبانها من محل لصناعة الأواني الفخارية في غزة، فإنهما تعتزان بقدرتهما على تحويل تجاربهما الكيميائية، والتصنيعية إلى نتائج عملية من خلال أحجار الطوب التي تصنعانها.

وتأمل المهندستان مجد وروان أن تنجحا في افتتاح أول مصنع لهذا النوع من الطوب، أو تشغيل خط إنتاج بأحد مصانع الطوب التقليدي ليتحول ابتكارهما من الجانب العلمي إلى الإطار العملي والتجاري.

وتقر مجد بأن العمر الزمني للطوب الجديد لا يمكن التأكد منه خلال المرحلة الراهنة لغياب المختبرات القادرة على إجراء هذا الفحص، مما ساهم في بطء تطور المشروع إلى حين إجراء الفحوص خارج القطاع لعمل التحسينات والتأكد من قوته وتأجيل اي مشاريع تجارية رغم بدء تهافت العروض والطلبات لشرائه.

على قدر حلمك تتسع الأرض

كنساء متواجدات في مجتمع محافظ فإن كم الانتقادات السلبية التي تلقيناها كان مهولا إلا أننا بالعزيمة ودعم الأهل وبعض من الاصدقاء فاننا سنكمل طريقنا بإذن الله، لا تنكر روان وزميلتها مجد تعرضهما للانتقاد اللاذع، والصادم أحيانا أخرى من قبل بعض الاقارب، والاصدقاء المقربين لكونهما فتاتين، وان مشروعا من هذا القبيل صعب عليهما انجازه إن لم يكن مستحيلا، إلا أن إيمان المهندستين الشابتين بفكرتهما وأهميتها كان محركهما الاساسي والدافع وراء استمرار تقدمها بالمشروع.

لا يأس مع الاحلام، الكل يواجه صعوبات قد تعيقه في سبيل الوصول لما يحلم به، لكن شعار مهندستينا الدائم كما قالت مجد هو "على قدر حلمك تتسع الأرض"، وطالما أن الأرض كبيرة فلا خوف من امتلاك حلم كبير، فبالعزيمة والاصرار ستحققين كل ما تصبين إليه. وهو ما قامت به مجد وروان لينتهي الأمر بفكرتهما تطبيقا عمليا، ومنتجا مطلوبا بكثرة في نطاق غزة حاليا كخطوة أولى.

 


قصتها