قصتها

"مخرجة الدارويش" ريادية على قدر العزيمة

خاص لشبكة نساء، ريم زين - فلسطين

على عتبات الويلات تولد حياة جديدة، طموح، أمل ، إرادة، ورغبة في حفر الإبداع على جبين وطن متهالك بالمأساة، أفكار نمطية ميتة تدور في عقول مغلفّة في بيئة تقليدية، لا تدفع عجلة الأمل للأمام، بل تأخذك في صندوق أسود، ليغلق عليك قفص عبودية المجتمع الذكوري.

و "أنا" لا يصنع ذاتي أنتَ أو أنتِ ولا حتى أنتم، "أنا" فقط أقرر من أكون، وليس ثوب "المحسوبية والواسطة" المنشور في كل الأروقة على حبل غسيل ثقافة التخاذل.

"أنا" دارين حسن، لم أضع يديّ على خدي، لأنتظر فلاناً عموده الفقري مدعوم بباطون محسوبية مسلح، جوبهت بالرفض، ولأنّي أريد حياة الحرية، رفضتهم أيضاً بالنجاح، وبعرق الصبر وقفت على ذات التقدير إلى جانب الرافضين.

و"أنا" واحدة من بين الكثير من النساء اللاتي حملن مجموعة أفكار مهمة، ومميزة، واستطعن أن يحجزن مكانا مرموقا لهن في المجتمع، فتحجز كل منهن على مكانا على قائمة الإنجازات بين العديد من الأسماء الذكورية، ولشدة حماسهن، وعملهن الدؤوب، أصبحت أسماؤهن مألوفة وقدوة لعدد من الأشخاص.

لنتعرف في سطور قليلة على  حوار "شبكة نساء" على الريادية "دارين حسن" المخرجة السورية المقيمة حاليا في هولندا.

من هي دارين؟

أنا سورية، درست الإعلام في جامعة دمشق، وأصولي من ريف حماة، سكنت سوريا 30 عاما، ثم انتقلت عقب زواجي إلى لبنان بسبب الأحداث الحاصلة، ولأن زوجي يحمل الجنسية الهولندية ذهبت معه إلى هولندا، وحدث انفصالنا هناك، بعد ذلك عملت في إذاعة هولندا العالمية محررة، ومصورة فيديو لمدة سنة ونصف.

أحد أفلامي الذي أحبه، وقمت بانتاجه، وإخراجه هو "خبز وحديد"، وحصل على جائزتين، هما أفضل فيلم وثائقي من أمريكا، وأفضل صورة سينمائية من إيطاليا، وتم ترشيحه لثماني جوائز.

ما الذي دفعك نحو الإخراج؟ وكيف أصبحتِ مخرجة؟

منذ سن السادسَ عشرة، وأنا أحلم بأن أكون مخرجة، كنت أحب الصور والأفلام، كما كنت متعلقة بطريقة إنتاجها وإخراجها' لكن للأسف، في سوريا من الصعب أن تصبحي مخرجة، لكونه مجتمع ذكوري 100%، وكل المسؤولين فيه من الذكور، وكان صعبا جدا الدخول في هذا المجال دون تقديم تنازلات أو استخدام واسطات من نوع ما، لكن هذين الأمرين كليهما لا تستطيع أي نسوية القيام بهما كما أنها لا تريد ذلك، فهي لا تساوم على هذه الأمور.

نتيجة لذلك، قررت أنه خلال الأربعة أو خمسة أعوام التي لن أتمكن خلالها من أن أصبح مخرجة في سوريا، سأتعلم وحدي عبر الإنترنت كل من الإخراج والمونتاج والتصوير.

في سوريا إمكانية الحصول على تدريب أو تعليم من نوع ما في مجال الإخراج من الأمور شبه مستحيلة، كون المجال لا يضم أي إناث لأنه حكر على الذكور، كما أن الأمر مكلف للغاية، ولدي ثقة كبيرة بأن الكل يستطيع تعلم الكثير من الأمور عبر اليوتيوب والفيديوهات التعليمية والانترنت بشكل عام.

لقب "مخرجة الدراويش" كيف جاء؟

أطلقته على نفسي، لأني لا أحب أن أقوم بعمل فيديوهات لمشاهير، وأنا مصممة على أنني لن أقوم بعمل أي فيديو كليب أو أي شيء آخر لشخص مشهور، إلا إذا كان/ت داعم/ة لقضية المرأة والنسوية أو قضية أخرى، دون ابتذال لشخصية المرأة، حينها سأعمل معهم، وجاء اللقب تحديدا لأنني سبق لي أن عملت عدة مرات لصالح أمسيات لمجموعة شباب وشابات، ولفنانين، ولاجئين وقمت بتحضير فيديوهات لهم وعرضتها دون أي مقابل.

و اللاجئون السوريون قمت بعمل مجموعة فيديوهات دعاية لأعمالهم، كل ذلك بالمجان، وقد قمت شخصيا بالتصوير والإخراج والمونتاج لكل منها.

فلقب "منتجة الدراويش" جاء لكوني مستعدة للعمل بتكاليف قليلة أو بالمجان لصالح أفكار مقتنعة بها، فأقوم بدعمها وتأييدها، المال لا يهمني حقيقة بقدر أهمية الأفكار ذاتها.

من شجعك خلال رحلتك، بداياتك في عالم الإخراج والداعم لك؟

على العكس تماما، الكل وقف ضدي، وللأسف عدة أشخاص ومنهم مخرجين كانوا يخبرونني بأن هذا المجال للرجال وليس لي، وأنني دون واسطة ومجموعة تنازلات لن أصل لما أريده، الكثير من المعارف حاولو إثنائي عن الأمر، كونه سيستهلك سنوات من عمري حتى أتقنه وأتعلمه.

وبعض المخرجين حاولوا إحباطي بأنه لأكون مخرجة علي أن أقوم بانجاز أفلام ومسلسات كثيرة، بقولهم "حينها فقط ستكونين بدأتي تفهمين الإخراج وتتقنينه".

رفض الكثير من فنيي الإضاءة والتصوير مساعدتي في فيلمي "خبز وحديد" لأنني لست مشهورة، ولست ذات أعمال سابقة كبيرة، فلن يغامروا بوضع أسمائهم على عمل شخص غير معروف، والأهم أنني امرأة، وهذا كان أكثر ما يخيفهم، لكني كنت واثقة بنجاح فيلمي، لأنني أعلم أن رسالته الإنسانية التي يحملها غاية في الأهمية، وإن لم يفز ستكون قضية اللاجئين السورين قد عرضت فيه بصورة ملائمة.

حاولوا كثيرا تحطيمي لكني عنيدة جدا بطبعي، ولأن لدي مشروع فقد عملت في أشد الظروف وأصعبها، فمشروع حياتي يجب أن يستمر بعملي الجاد.

هل لا تزال دارين تواجه صعوبات كالسابق؟

بعد أن أثبتت وجودي قلّت المشاكل، عائلتي كانت تدعمني بداية من داعي المجاملة، ولكوني ابنتهم لكن بعد أن رأوا انجازي أصبحوا يدعمونني بكل قوة.

المشاكل الحالية هي مالية، أنا كاتبة سيناريو، إلا أن أجرة الطرق غالية هنا، فيصعب على المتطوعين العمل معي على مشاريع كثيرة، والمشكلة الأخرى تكمن بفكر الشباب الذين لا زالوا يرون قضية المرأة شيئا ثانويا يمكن تأجيله واستبداله.

والحل بأن نقف في وجه المجتمع والأفراد والخروج عن صمتنا فهو أساس لمشاكلنا، ولا ننسَ أيضا صعوبة إقناع بعض الشباب بأهمية القضايا التي نطرحها للنساء.

فكرة النسوية من أين جاءت؟

عام 2014 أنشأت صفحة النسوية، بسبب انعدام الحركات النسوية والتي كانت حركة قديمة في مصر ونشأت بعدها في سوريا لكن الحركات الذكورية السياسية والدينية قضت على ذلك، لذا فإن وجودنا أساسي، وإن لم نتحرك للحديث عن قضايانا وصولا للتغيير، فإن أحدا لن يتحدث باسمنا.

أقرأ عن "الفيمينيزم والفيمنيست" منذ زمن، لكني خفت التحرك في هذا المجال، لأن الوضع السياسي بسوريا دقيق، فليس من السهل أن تبدأي حزب ما أو حركة معينة.

هل طلبت المساعدة من أحد، فالفكرة نبيلة وتحتاج العون؟

الستة أشهر الأولى عملت وحدي، ولاحقا أحضرت من يعمل معي وكانوا ينسحبون لظروف خاصة بهم أو لعدم إيمانهم الكافي بالفكرة، هذا ما دفعني للبحث عن كل من تعرّف عن نفسها بأنها "فيمنست"، حتى تنضم لطاقم العاملين في النسوية.

ومنذ سنة فقط استقرينا كفريق، لنضع بعدها سياسات لقبول الطلبات والمواد وسياسة التحرير والنشر لدينا، إضافة لتقسيم فريق العمل والترجمات بالعربية والانجليزية.

والآن نسعى للحصول على المسمى القانوني منظمة للـ"النسوية" في هولندا، وبمجرد أن نصبح منظمة رسمية لحقوق المرأة سنحصل على تبرعات،وهذا الدعم المادي سيساعدنا في عملنا.

الخطوة التالية بعد أن تصبح النسوية منظمة رسمية؟

سنبدأ بعد فترة بمجموعة من المحاضرات والندوات، من ثم فيديوهات تعليمية، وحين يكبر التمويل قليلا سننتج برامج إذاعية ومسلسات وأفلام ولربما سكتشات قصيرة.

والمرحلة التالية سنبدأ نرتبط بمنظمات خارجية، ونقوم بعمل مؤتمرات عن بعد من ثم نفتتح فروعا في جميع الدول العربية.

طاقم النسوية؟

طاقمي يتكون من 35 بنتا وشابا ولا أحد منهم موظف فعلي فكلهم متطوعون، منهم "الفيمنست" ومنهم من هم أنصاف وأرباع "فيمنست"، لكني أؤمن بأنني أنتج جيلا نسويا بالكامل.

أهم ما في الأمر أنهم يتعلمون في كل يوم ولذا فهم سعيدون بذلك، نظامي في العمل ليس رئيسا ومرؤسا، بقدر ما هو نظام عائلة وأصدقاء نسعى لتغيير المجتمع إيجابيا.

عليكِ أن تكوني لطاقمك نموذجا يحتذى به، يجب أن تتابعي كل شيء، لا يوجد لدينا جو منافسة، فنحن نعمل بروح الفريق وكل شخص هو أساسي، الفكرة أن تهتم بهم حتى يشعروا كعائلة واحدة وأنك تحتضنينهم.

يجب أن تمنحيهم ما يستحقونه من مدح، وفي الوقت ذاته عليكِ أن تبتعدي عن المجاملات فالصراحة أساسية، عنصر آخر مهم أن دخول شخص ذكوري بأفكاره سواء أكان ذكرا أم أنثى سيضر بمصلحة المشروع والفكرة الكبرى.

وحتى تنجح أي فكرة عليكِ أن تمتلكي خطة عمل ذكية ومرنة، لتصلي باستخدامها إلى هدفك، فيجب أن لا تتخلي عن أفكارك، لأن هزيمتك الأولى هي بالتراجع عنها.

كيف تعملين في الحفاظ على إيجابيتك؟ ودارين كيف تجد توازنها كنسوية؟

عدة عوامل، أهمها أن التي تسعى لتحطيمك هي نتيجة بيئة قمعية في طفولتها أو مع عائلتها، والتغيير له عدة مراحل أولها المواجهة والحديث معك، ايضا اعتمد على رياضة اليوجا.

لا ننسَ أيضا أن النسوية هي قضية حياة، وليست مجرد فكرة أو مشروع صغير، فإيمانك بالقضية أساسي وأي تشكيكات بها ستشدك للخلف، وعليك أن تمتلكي ممانعة ضد الأفكار السلبية، فالتمسك بفكرتك سبيل النجاح والتميز.

وعلى صعيد شخصي، فالألم هو ما صنعني وجعلني أكون ايجابية، وبه أصبحت مقاتلة شرسة لا تتراجع، فلإيماني مطلق بأفكاري، فالتغيير ينبع من النساء أولا، ولنصل إلى التغيير الذي نريده علينا أن نتحدث فلا أحد سيعبر عنّا.

نصيحة لكل صاحبة طموح؟

الظروف ليست أقوى منا، قد تضطرنا لتعديل مخططاتنا أحيانا وليس إلى إلغائها، لا تجعلي شيئا يثنيكي عما تريدين الوصول إليه، اجعلي اصرارك يتفوق في كل مرة.

 لا تنسي أن تحيطي نفسك بالأشخاص الإيجابيين والداعمين، ولا تتردي بقطع علاقاتك بكل السلبيين والمتشائمين.

إدراكك لحقيقة أن كل من يقمعك يعاني من نقص من نوع ما، فإنك ستتجاوزين العيش بدور الضحية وستنتقلي إلى مرحلة تطوير ذاتك، اجعلي من فكرتك مسألة مصيرية وستنجحين فيها بك تأكيد، الإيمان واليقين هو الأساس للنجاح، ولا تفقدي الثقة بقدراتك في أي لحظة فأنت قادرة على كل ما تريدين.


قصتها